عاجلمقالات الرأى

ليالي و الدرويش. بقلم الكاتبة وفاء عرفه

ليالي و الدرويش.

بقلم الكاتبة
وفاء عرفه

قصة قصيرة

ليالي و الدرويش.

بقلم الكاتبة
وفاء عرفه

منذ عدة أيام مضت عليها، و هى تستيقظ من نومها مرتجفة بل مرتعدة من ذلك الحلم، ليس لكونه متكرراً و لكن لأنه يشبه اليقين بكل تفاصيله، كم كانت تأخذ وقتاً لتستفيق بعد نهوضها، كأنها كانت فى سبات عميق لكنها اليوم تحديداً قررت أن تنجو بنفسها، من دوامة التفكير أو التفسير لهذا الحلم، و تنساه أو تحاول أن تتناساه و أرجأت ذلك الحلم، إلى أنه ربما أثر عليها البحث المستمر فى مجال دراستها، و الكتب الكثيرة التي تقرأها فى شتى الثقافات الشرقية،

الموسيقى الروحانية التى تلازمها كظلها، و تبحر معها فى عوالم أخرى تجوب فيها بسحر الشرق، كم تمنت أن تكون إحدى أميراته، هى عاشقة لسحر العالم الصوفي، تهوى قراءة شعر العشق الإلهي، متيمة بمشاهدة الرقص بالتنورة، تهيم معها فى خيال يسبح بها فى فضاء الكون الرحب، تتابع حلقات الذكر مستمتعة و تبحث دائماً، عن كل مايتعلق بهذا العالم الروحي الغامض جداً بالنسبة لها رغم إنها تأنسه، وتجمع كل مايتعلق بالحياة الصوفية، كمادة للبحث الذي تقوم به لإنهاء دراستها العليا.
ليالي فتاة فى مقتبل عمرها، مختلفة عن مثيلاتها، جريئة الفكر لا ترضخ للمفاهيم التقليدية، و تضرب بالعادات العقيمة عرض الحائط، رغم إعتزازها بشرقيتها، لكنها لم تستطع أبداً أن تتفهم، كثرة المتناقضات لمجتمع يتعامل بإزدواجية، فى كثير من مبادئه و موروثاته، من أسرة يمتاز عائلها بالفكر الناضج ذو ثقافة شاملة، تعلمت ليالي على يديه إعمال العقل، لإنتاج الحقيقة دون القبول بالمسلمات الغير مقنعة لعقلها، إضافة لذلك هى

فنانة بالسليقة،عاشقة لكل الفنون و تهوى الرسم، لها طابع مميز فى كل شئ تختار ملابسها تبعاً لراحتها و ذوقها الخاص، فهى ليست مصابة بلعنة الموضة ترتدي ملابس فضفاضة أنيقة، تميل إلى الألوان المبهجة الصريحة، تزين معصمها بالأساور الفضة، يتوسطها أخرى من الجلود الطبيعية، مكتوب عليها عبارات تشبه شخصيتها، وتضع على عنقها سلاسل متتالية، يتدلى منها حجر من الياقوت الأحمر، عيناها بلون العسل الصافي لها بريق ساحر، خاصة عند إلتقائها بنور الشمس، شعرها طويل مموج كموج البحر الهادر، يميل للون البني الفاتح و كأنه سلاسل نحاسية لامعة، على طبيعته يتمايل على كتفيها كلما تميل فى مشيتها، فارعة الطول نحيلة الجسد، يتدلى من أذنيها قرطاً من

الفضة دائري الشكل، و مايلفت النظر إليها قلادة على صدرها محفور عليها، شطر من بيت شعر للرومي و يجمل خنصرها، خاتم مكتوب عليه ليالي بخط كوفي، واضح كوضوح شخصيتها الجامحة، تبدو للناظر لها كأنها أميرة هاربة من العصور الوسطى ،طاغية الطلة متحدية كل الأزمنة، تفرض كيانها بخطوات واثقة و بخفة تسابق الريح، تمتد الأرض تحت قدميها، تلبى أمرها مسرعة لتواكب إنطلاقها، كأن جذورها أوتاد بالأرض و سقفها عنان السماء، رغم جرأتها و جنون أفكارها، إلا إنها منظمة الفكر و ترتب أولوياتها، تحترم الوقت و تعلم قيمته و تؤمن بأهمية العلم، تعمل على قدم و ساق لجمع المعلومات لإتمام بحثها العلمي، من ضمنها أن تشاهد حلقات الذكر الصوفي وترتاد أماكن أولياء الله الصالحين، وقت إقامة الموالد الشعبية، تقابل الكثير من الزائرين و المحبين لآل البيت، تحاورهم و تتابع قيامهم بالطقوس المعتادة، ثم تسير بينهم تراقب عن كثب دقة التفاصيل من الواقع الحي، تلاحظ و تدون ماتراه، أدهشها أنهم من فئات عمرية متنوعة، مستويات إجتماعية متباينة نساء و رجال و أطفال، المكان يضج بالحركة و تتعالي فيه الأصوات، ما بين إنشاد ديني و مناداة البائعين و الألعاب النارية و موائد الطعام لأهل الله، تختلط المشاهد معلنه عن إحتفال مختلف في طبيعته، لكنه يروق لروح ليالي كثيراً، بعد طول الوقت شعرت أنها تحتاج لقسط من الراحة، فوجئت بأنها تسير بلا توقف منذ ساعات، هى الآن فى أمس الحاجة لتناول فنجان من القهوة ثم الراحة قليلاً بعيداً عن صخب المولد و تعاود مرة أخرى، إستدارت و بدأت السير نحو المقهى الكائن فى نهاية تلك الحارة الجانبية، بعد عدة خطوات قليلة سمعت صوتاً رخيماً ينادي إسمها، نظرت حولها لم تجد أحد فظنت أنه خيال، واصلت خطواتها للأمام غير مبالية، فجأة لاح لها طيف من بعيد بنفس الصوت ينادي ويقول: ياليالي…..
( فياليت الذي بيني وبينك باب يطرق) (و ياليت أطراف الأرض تطوي و نلتقي)
تجمدت ليالي في وقفتها، شعرت بأنها تدور في حلقة بذاتها ترقص التنورة، تحلق فى فضاء واسع مغمضة

العينين، تري ألوان الطيف السبع فى الأفق، فى ذات الوقت منجذبة لصاحب الصوت المنادى عليها، كأنها معلقة بين السماء و الأرض، ثم سارت بخطوات ضيقة ثقيلة نحوه، كلما إقتربت زادت دهشتها، وتأكدت أن ما تواجهه حقيقة، إنه هو ذلك الدرويش الذى رأته بحلمها في الليالي الماضية، إقتربت و أمعنت النظر، حقاً هو بنفس رؤية الحلم، رجل فارع الطول يرتدي جلباب أبيض ذو لحية مشعثة،تطوق عنقه مسبحة طويلة حباتها من الياقوت، على كتفيه شالاً من الحرير الأخضر، كف يده مضموم على شئ، ثم يختفي و ينتهي الحلم بذلك.
إقتربت ليالي من الدرويش متسائلة: أهو أنت؟؟!!!! دخلت بخطواتها إلى هالته المشعة فأصبحت فى مواجهته تماماً، وضع الدرويش يده فى جيبه و أخرج كفه مضموماًثم فتحه لها..لم تصدق ما رأت!!!!
إنها نسخة من قلادتها لكن محفور عليها، الشطر الناقص من بيت شعر الرومي!!!
أومأ الدرويش برأسه متمايلاً و هو يقول: مولانا جلال الدين الرومي سلطان العاشقين.. أشارت ليالي إلي قلادتها فنظر إليها الدرويش بإبتسامة و كأنه يعرفها، ثم تابعت الحديث و قالت: رأيتك فى الحلم روئ العين… فهل رأيتني من قبل؟؟
أجابها الدرويش قائلاً : الأرواح هائمة تتلاقى فى ملكوت الله، ربما تشابهت أرواحنا فتلاقت فى عالم السمو الروحى، إقبلي هذه القلادة منى فهى مقسومة لك، أتصدقين!!! ما كنت أناديك بل قولي ياليالي كنت أعني به الليالى والأيام و رحلتى معهما، أما عن القلادتين فأنا صانعهما و حفرت عليهما بيت الشعر، باع صاحب المتجر واحدة و إحتفظت بالثانية لأنها أخر قطعة صنعتها بيدي و بعدها تركت هذه المهنة، قاطعته ليالي و قالت حقاً أخبرنى صاحب المتجر وقتها أنها قطعة مميزة وصناعة يدوية فريدة لا مثيل لها، ثم قالت له أتسمح لي بدعوتك اإلى المقهي لنكمل حديثنا و نحتسي القهوة و نحن سوياً ؟ وافقها الدرويش علي الفور و جلسا معاً.
بدأ الدرويش الحديث متسائلاً: ماذا تفعلين هنا؟

أجابته: أجمع معلومات تفيد دراستي،
فنظر إليها الدرويش قائلاً: أترغبين فى المساعدة؟ أنا هنا منذ خلقت، لا أعرف غير هذا المكان، هو العالم الذى أعرف كل خباياه، و روحي تسبح في فضائه منذ الأزل.
قالت: أشعر أن لقائنا مقدر و ليس وليد الصدفة، أنا رأيتك فى حلم يتكرر لفترة ثم ألتقيتك اليوم و أيضاً أنت صانع قلادتي المفضلة.
جاوبها بقوله: و ربما إلتقينا فى عالم أخر بذات الأرواح، لكن بإختلاف الأشكال و الأزمنة و الأسماء.
ردت عليه قائلة: راحتى فى الحديث معك تدل على تشابه أرواحنا، لذلك أرغب فى مساعدتك، و أنت ستصبح مرشدي للحصول على ما أحتاجه من معلومات ثم سألته فجأة… ما أسمك كى أناديك به؟
جاوبها بمنتهى العمق الإنسانى قائلاً: أنا عبد من عباد الله لا يهمنى الأسم أو العنوان، كل مايعنينى أن أكون إنسان و ليس مجرد بنى آدم، إن الإنسان بقلبه و روحه و إيمانه، يعرف الطريق إلى الله ليعتنق الإنسانية، بذلك يسود العالم السلام و المحبة و الرحمة، هو ذاك الحب الخالص، و المعني الحقيقي لوجودنا على الأرض، و عندما نصل إلى تلك القناعات، نكون قد أدركنا الهدف من خلق الله لنا، فنحن لم نخلق عبثا، و بذلك فقط نسمو بأنفسنا عن كل صراعات العالم الفانى، نظرت ليالي له و هى منبهرة بكلماته التى تفوق كل توقعاتها من ذلك الرجل الدرويش.
ثم قالت له بمنتهى اليقين: أنت يادرويش تحمل داخلك مصباحاً ينير قلبك روحك بالرضا و السلام، لست بحاجة إلى أضواء عالمنا الخارجى و التى تخفت أحيانآ و تتركنا لشقاء أنفسنا، نورك يادرويش ينبع من داخلك و يضئ لك كل ما حولك، لا تعاني من تعاسة العالم رغم التقدم و الرفاهية، تكمن سعادتك فى كونك مازلت على فطرتك، أما نحن و بكل ماوصلنا إليه من حداثة مازلنا نحمل الشك و الصراع داخلنا، إن كل أضواء العالم لا تستطيع أن تنير نفساً بشرية يسكنها الظلام، أو تبث فيها الطمأنينة و بهجة الحياة، تعلمت منك يادرويش فى سويعات ما كنت أحتار فيه، وسعيت كثيراً لمعرفته بشتي الطرق، أعلمتني بسلاسة ما كنت أتوق لمعرفته.
أيقنت ليالي تماماً أن اللقاء بينهما له مغزى و هدف ألا و هو أن تتعلم، على يد الدرويش ما لم يمكن حصولها عليه من أى دراسة أو كتاب، ستتعلم من فطرته النقية و روحه الصافية ماتصبو إليه روحها من سلام و سكينه، و أيضاً يساعدها في بحثها العلمى، و هى تساعده بالمقابل علي توفير حياة كريمة له، وبذلك تكون قدمت له أدني الحقوق الإنسانية….
بعد الإنتهاء من الحديث و قسط من الراحة حان وقت عودتها، إستقامت في وقفتها وبهمة عالية قالت ليالي: هيا بنا يا دليلى لنبدأ سوياً..رحلة ليالي مع الدرويش.

بقلم الكاتبة
#وفاء_عرفه
الاسكندرية 🇪🇬

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Don`t copy text!